32
 
عن المشروع - حقائق - اصوات النساء من خلف القضبان - بالصور - اصدارات و مصادر - اخبار و مقالات - روابط - اتصل بنا -  
 
تأهيل الأسيرات الفلسطينيات بعد إطلاق سراحهن :   2010-06-15

بقلم: عنان سرور – أخصائي نفسي – مدير الدائرة العلاجية، المركز الفلسطيني للإرشاد، آذار 2010

كثيراً ما نسمع الأسيرات السابقات يتحدثن عن خيبة الأمل التي تلت فرحتهن بالحرية. فالكثير من أحلامهن التي نسجنها خلف القضبان تصطدم بالواقع الصعب بعد الأسر. إذ أن الواقع الفلسطيني خارج سجون الاحتلال لا يختلف كثيراً عن داخلها، فالإمكانيات محدودة وحكم المجتمع على أفراده قاسٍ. وهكذا تتحطم الأحلام على صخور الواقع لتتولد نوبات من الغضب الذي ينفجر بمَن حولهن.
ستناقش هذه المقالة وضع الأسيرات بعد التحرير وتستعرض بعض المبادئ الموجهة لتأهيلهن في المجتمع وسوق العمل. تعتمد الادعاءات في هذه المقالة على خبرات طاقم المركز الفلسطيني للإرشاد في العمل في مشروع حماية الأسيرات الفلسطينيات بالشراكة مع مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان ومؤسسة اليونيفيم. ويأتي استعمال كلمة تأهيل هنا بمعنى إعادة دمج في المجتمع، وليس بمفهوم الحاجة لتأهيل المعاقين، فالتسهيلات المطلوبة هي مؤقتة وليست مستديمة.
مع اللقاء الأول بين الأسيرة وأسرتها، تدور في أذهان الأهل أفكار حول السنين التي خسرتها الأسيرة في الأسر وكيفية تعويضها. أكثر الأفكار شيوعاً هي "تزويجها قبل فوات الأوان". كثير من الأهل يعتقدون أن بناء أسرة هي الطريقة المثلى لحياة سعيدة. وهكذا نرى الكثير من الأسيرات العزباوات يخطبن ويتزوجن بعد فترة قصيرة من إطلاق سراحهن. ولكن ما خسرته الأسيرة هو ليس الوقت فقط، بل الكثير من التجارب الحياتية التي تحتاجها كي تبني أسرة سعيدة. الأسيرة المنشغلة في تجربتها القاسية في الأسر ليست دائماً متفرغة عاطفياً لزوجها وأطفالها، مما يزيد من إحباطها وشعورها بالفشل وعدم القدرة على الرجوع إلى حياة طبيعية. كي لا أفهم خطأ، أقول أن سعادة تكوين أسرة هي أحد الحلول الرائعة لتأهيل الأسيرة الفلسطينية، ولكن عليها أن تكون في الوقت المناسب. بكلمات أخرى، على الأسيرة أن تكون قد هضمت مخلفات الأسر وحولتها إلى جزء من تجربتها الحياتية بدلاً من أن تكون تجربتها الحياتية في الأسر هي التجربة الوحيدة المهمة، والتي يتم على أساسها تفسير التجارب المستقبلية. فقط في هذه الحالة يكون باستطاعة الأسيرة أن تعيش حياة أسرية تكون فيها الزوجية والأمومة ذات مذاق طيب. إن في الحياة الزوجية الكثير من "الأسر"، والأسيرات اللواتي لا زلن يعشن الأسر لسوف تكرر حياتهن الزوجية أسرهن، وتصبح طلبات الزوج كطلبات السجان، وواجبات البيت كواجبات الأسر.
أما بالنسبة للأسيرة المطلقة بسبب أسرها، فعند إطلاق سراحها تنتظرها مهمة عاطفية جديدة وهي هضم تجربة "الخيانة". إن المشاعر النابعة من هذه التجربة ليست أقل حرقة من تلك التي عاشتها في الأسر. سينظر المجتمع إليها كمطلقة، وسيقيد حريتها في التحرك بشكل يشبه القيود التي وضعها السجان. فيتحول البيت إلى سجن جديد جدرانه "ما يقوله الناس". هكذا نرجع إلى دائرة اللاحول، حيث تشعر الأسيرة بعدم قيمتها. فهي أصبحت عالة على نفسها وعلى أهلها. أما بالنسبة لعلاقتها بأطفالها، إن وجدوا، فهي مهمة أشبه بالمستحيلة.
عادة ما يفكر الطفل بطريقة انفصال الأم عنه بغض النظر عن السبب. سيعاود هذا الطفل الشعور بأنه مرفوض من قبل الأم. وبناءً عليه، سيطور هذا الطفل مشاعر غضب خفية تجاه أمه بالرغم من وعيه أنها تركته رغماً عنها. لكن هذا التضارب بين الوعي للسبب والشعور العميق بالرفض سيخلق مشاكل وصراعات لا تنتهي في العلاقة بين الأم وابنها. وبالتالي فاشتياقها لحضن أطفالها وقناعتها بأنهم يحبونها ستتصادم مع أطفال قد اختلفت سلوكياتهم بعد أسرها. هم يوجهون غضبهم تجاهها بأساليب عديدة، حتى أنها تشعر بأن وجودها غير مرغوب أحياناً.
كما أوضحت سابقاً، فإن اللقاء مع العائلة هو لقاء صعب وتترتب عليه مشاعر سلبية مختلفة. هنا يكمن دور العائلة الداعم، حيث على العائلة أن تكون مصدر دعم لا مصدر ضغط. فالطلبات المتكررة للعائلة قد تخنق الأسيرة بدلاً من مساعدتها على تخطي مرحلة ما بعد الإفراج الحرجة. على العائلة أن تكون قادرة على الإصغاء لحاجات الأسيرة للدعم، وإعطائها مساحة للتجربة لدرجة تقبل نوبات غضبها. ولكن العائلة ليست المكان الوحيد الذي تحتاج فيه الأسيرة إلى إعادة تأهيل، بل سوق العمل هو مكان ليس أكثر تقبلاً.
يعاني سوق العمل الفلسطيني من نسبة بطالة عالية، مما يصعب عملية دمج الأسيرات، خاصة وأن سوق العمل النسوي أكثر محدودية على وجه الخصوص للنساء اللواتي لا يملكن شهادات أكاديمية. لذا فإن التعليم يعد بوابة مهمة لسوق العمل. ولكن للأسف فالعديد من المعضلات تقف أمام الأسيرات في هذا المجال، أهمها شهادة التوجيهي وقسط التعليم. هاتان المعضلتان يمكن تخطيهما بفضل الخدمات الحكومية للأسرى، فيحق للأسيرة التعلم على حساب الحكومة. أما الإشكالية الحقيقية فهي قدرة الأسيرات على الاندماج في التعليم العالي.
إن حياة الأسر تمنع الأسيرة من اكتساب مهارات أساسية للتعليم، منها اللغات الأجنبية ومهارات الحاسوب، فهي غير متوفرة في الأسر مما يصعّب تكيف الأسيرة المستقبلي في التعليم العالي. هنا تنبع الحاجة إلى دورات تأهيلية تتركز على تعلم اللغات وتكنولوجيا المعلومات.
كذلك فإن الأسيرة في فترة الأسر تعيش حياة منظمة جداً: الأكل، والفورة، والتنظيف، بحسب أوقات محددة يفرضها النظام داخل السجن. هذا هو النقيض لحياة الطالب الجامعي الذي يجب أن يتعلم مهارات إدارة الوقت بنفسه. وهي إحدى المشاكل الأساسية التي يواجهها الطلبة بشكل عام، والأسيرات بشكل خاص. إننا نرى الكثير من الطلبة الذين يفشلون في تسليم الوظائف في الوقت المطلوب، أو يتغيبون عن الحصص، أو يتأخرون في التسجيل.
هذه المهارات التنظيمية في إدارة الوقت، وتلخيص المواد، والتخطيط المستقبلي للمساقات تنقص العديد من الطلبة ومنهم الأسيرات. ومن أفضل الطرق لتخطي هذه العقبة هي التوأمة مع طالب جامعي آخر يرافق الأسيرة في تنظيم نفسها للدراسة الجامعية. وبهذه الطريقة تقل نسبة الإخفاقات الناجمة عن عدم التنظيم المناسب وترتفع نسبة النجاح بين الأسيرات وتلقيهن الشهادات الجامعية.
لكن التعليم ليس المسار الوحيد للاندماج في سوق العمل. إن السلطة الفلسطينية أخذت على عاتقها توفير فرص عمل للأسرى. ولكن للأسف ليس لديها إمكانية لذلك إلا في القطاع الحكومي. وغالباً ما يحتاج القطاع الحكومي لموظفين ذوي تأهيل معين غير متوفر لدى الأسيرات. لذا يكون أمام الحكومة خياران كل منهما أصعب من الآخر. فإما أن يتم تعيين الأسير/ة بالرغم من عدم أهليته/ا في أية وظيفة وهو الوضع الأسوأ، أو لا يتم تعيينه/ا مما يسبب الشعور بالذنب لدى الجهاز الحكومي. أما الخيار الثالث فهو تعينهم في الأجهزة الأمنية أو مؤسسات الأسرى، حيث يتلقون التأهيل في الأجهزة نفسها. السلبي في هذا الحل هو اتخاذ الأسر وما يتعلق به كمهنه. فعمل الأجهزة الأمنية مشابه جدا لنظام الأسر، خاصة وأن قسماً كبيراً من الزملاء هم أيضاً أسرى سابقون.
في ظل الإشكاليات المتعلقة بالتوظيف في السلطة، يكون خيار الاندماج في القطاع الخاص خياراً ملائماً جداً. لكن تخوف المشغلين من تشغيل أسرى عادة ما يقف عائقاً في انضمام الأسيرات للقطاع الخاص. إذ نسمع من أصحاب العمل ادعاءات مثل "أنا في غنى عن المشاكل مع الإسرائيليين"، ويفضلون توظيف الآخرين. الاقتراح في هذا المجال هو تشجيع المشغلين عن طريق مشاركتهم في الراتب في الفترة الأولى. من شأن هذا الحل أن يفتح مجالات عديدة أمام الأسيرة لكي تجرب ميولها ومهاراتها في مجالات مختلفة. والاهم من كل هذا هو إعادة دمج الأسيرة في المجتمع بعيداً عن جماعة الأسرى وما يذكر بالأسر. من المهم جداً أن تعمل السلطة الفلسطينية على تقليل تعلق الأسرى بخدماتها من توظيف ومخصصات، وتحويل هذه الموارد إلى المجتمع كي يقوم الأخير بتقبل الأسيرات ودمجهن بصورة أفضل، وعدم الاكتفاء بتكريمهن الرسمي وفي الخطابات بل أخذ خطوات أكثر عملية لتسهيل حياتهن المستقبلية.
ختاماً وللتلخيص، على أية مبادرة تأهيلية للأسيرات أن تأخذ بعين الاعتبار ما يلي:
    1.    خبرتهن في الأسر والامتناع عن تكرارها في ظروف مشابهة خارج الأسر.
    2.    جسر الفجوة في التأهيل الأكاديمي أو المهني بسبب عزل الأسيرات لفترة طويلة عن المجتمع الخارجي.
    3.    احتواء رغبة الأسيرة في تعويض السنين التي خسرتها في السجن وعدم دفعها لاتخاذ قرارات متسرعة على الصعيد الشخصي أو المهني.
    4.    تحويل تجربة الأسر إلى تجربة مهمة ولكنها ليست الأهم والوحيدة في حياة الأسير/ة.


مشروع "حماية السجينات والمعتقلات الفلسطينيات في السجون الإسرائيلية" هو أحد مشاريع حقوق المرأة الإنسانية الذي يشرف عليه صندوق المرأة الإنمائي في الأمم المتحدة والممول من قبل الوكالة الإسبانية للتعاون التنموي الدولي بدأ العمل به نهاية عام 2007. المرحلة الثانية من المشروع بدأ العمل عليها في عام 2009 وتنتهي في آذار 2010 وتنفذ من قبل المؤسسات الفلسطينية الشريكة: المركز الفلسطيني للإرشاد، مؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان، وجمعية الدراسات النسوية التنموية الفلسطينية.